تطور المعمار المغربي و أثره في الأندلس




بالحديث عن المعمار المغربي فقد تطور في عهد المرابطين على يد يوسف بن تاشفين و حدث هذا التطور أثناء حكم الاندلس، في البداية كان المعمار المغربي بسيطا بزخرفات و نقوش بسيطة و بتلك النظرة السريعة على العمارة في الأندلس أحدثت تطورا في الفن المغربي، و هذا لا يحسب له كمزج بما وجد في الأندلس من معمار، فالمزج و التطور هو شكل واحد لشيء جديد مثل الألوان فبدمج الأزرق مع الأصفر يعطينا الأخضر لكن في المغرب أصبح الأزرق أكثر انفتاحا و ذلك لإمكانيات الحرفيين المغاربة من جعل درجاته بين الغامق جدا إلى الأزرق السماوي الفاتح .. هذا هو المعمار المغربي الجديد هو إبداع و تفنن الحرفيين المغاربة على مدى قرون مضت.

أما في الأندلس ستجدون أنواع مختلفة للمعمار التي يظهر أنها أول مرة ستسمعون بها، و هي المعمار اليمني المتمثل في "جامع سرقسطة" و المعمار الأموي الذي سبق "جامع قرطبة" و المعمار المغربي المتمثل في "صومعة الذهب، إشبيلية"،  "قصر قرطبة"، "قصر المورق، إشبيلية" و "قصر شقوبية، مدينة شقوبية القديمة".


كانت بداية هذه المعمار تنطلق من الفن الأمازيغي المغربي ذو النقوش و الزخارف البسيطة لتتطور مع مرور الزمن و تزداد جمالا مع كل حقبة تتعاقب فيها السلالات في حكم المغرب و هذا ما جعل هذا المغربي يصبح أكثر إنتشارا في الأندلس حتى أبدع فيه الحرفيين المغاربة الذين شيدو القصور و القلاع، و يسمى هذا النوع من المعمار بإسم "إغرم أو تغرمت" و يأتي هنا وصف شكل هذا المعمار "وتمثل "القْصُور" ما تبقى للمغرب من تراث هذه العمارة القديمة وبخاصة في الجنوب هي بحق قلاع مشيدة ب(الآجُر الطيني) وكانت محاطة بجدران عالية ترتفع في تخوم الصحراء مكونة من تجمعات ضخمة فريدة للغاية بمساكنها المنبسطة السقوف المزينة بالعقود والجدران ذات التخاريم تحف بها أبراج مربعة، تحوط قممها الشرفات فهناك من جهة بعض المنشئات المحصنة المشيدة من الأحجار دون استخدام الملاط. ومن جهة أخرى نجد في كل مكان في تخوم الصحراء ومقابل الأطلس وسوس والأطلس الأعلى وحتى الأطلس المتوسط أبنية مصممة بطريقة أفضل تشبه القلاع القوية وتستغل بذكاء التضاريس وتحلى أجزائها العليا زخارف ملونة وأشكال هندسية ناشئة وتسمى هذه الأبنية "إغرم أو تغرمت""[1].

و نعود لعصر دولة الأدارسة حيث عرف تطورا نوعيا حيث "يبدأ النموذج المغربي المبكر مع ظهور الإسلام بالمغرب ذلك أن الفن الأمازيغي القديم يعتبر حلقة من حلقات فنون العالم القديم، بينما يعتبر الطراز المغربي منذ فجر التاريخ الاسلامي أحد فنون العالم الوسيط. ومع ذلك فإن كلا من الفنين يقترب من الآخر ويمتزج به. ومن الجدير بالملاحظة أن الفن المغربي في عصور ازدهار الحضارة العربية الاسلامية لم يتخل مطلقا عن مميزات عديدة وكبيرة للعمارة المغربية الأمازيغية كشبكة المعينات المتجاوزة التي لم يكتب لها الرواج والخلود على المستوى الوطني والعالمي إلا بعد انتصار الاسلام بالمغرب والأندلس."[2]

"حاضرة المغرب التي وضع نواتها الأولى إدريس الأكبر منذ 172ه بتأسيس مدينة بالعدوة الشرقية أسست على الطراز الأمازيغي وطورها إدريس الثاني وأدار حولها الأسوار وبنى بها جامع الأشياخ من ست بلاطات كما شرع في بناء العدوة الغربية على الطراز الشرقي عام 193ه فأدار حولها الأسوار وبنى مسجد الشرفاء من ثلاث بلاطات."[3]

 تميزت عمارة الأدارسة في جامع القرويين بعقودها الموازية للقِبلة شأن المساجد المبكرة في الشرق، ولا شك أن نظام العقود الموازية كان أوفق للعبادة لمساعدة المصلين على تنظيم صفوفهم وقد استمرت عمارة الطراز المغربي يلتزم نظام العقود الموازية إلى بداية عهد المرابطين الذين استخدموا العقود العمودية على القِبلة ما عدا توسعتهم بالقرويين حتى نهاية العصر المريني.


لا حديث عن المعمار بدون الحديث عن إتقان الحرفيين المغاربة و تطوير مهاراتهم في هذا الفن المغربي الذي يعتمد على الأقواس و الأعمدة المزرخة دون وصفهم بحسن الوصف "أما الزخرفة الخطية فقد أبدع فيها الفنان المغربي أيما إبداع فالخط الكوفي كان أكثر استعمالا من سواه على مختلف الجهات وكثيرا ما يملأ الفضاء بين الحروف بأشكال تحاكي أوراق النخل، وهكذا تزيد هذه النباتات في المنظر الرائع لتلك اللوحات، دون أن تؤثر في أشكال الحروف الأمر الذي بلغ بالخط الكوفي قمته في التوازن والتناسق"[4].

"أما بخصوص الزخرفة المرابطية فتنبعث منها نماذج تعكس أصولها المشتركة بين فنون العدوتين المغرب والأندلس وهكذا نرى المراوح النخلية المُعرقة والمختمة الشبيهة بأوراق الأكانتيس التي تذكر بزخارف قصر الجعفرية بسرقسطة"[5] هذا الإندماج دائما يولد نوعا جديدا من الهندسة المعمارية التي تبقى مدة و بعدها تدخل عليها تقنيات و زخرفات جديدة مع مرور الوقت.

يقول الأستاذ محمد بن شريفة: «إن الصّلات بين المغرب الأقصى والأندلس قديمة ترقى إلى التاريخ القديم، و هي صلات فرضتها طبيعة الجوار وأملتها المعطيات الجغرافية… فمن المعروف أن الأندلس بعد فترة الطوائف قد اندمجت في الإمبراطورية المرابطيّة والموحديّة، أي خلال أكثر من ثلاثة قرون، كما أن دولة بني نصْر في مملكة غرناطة لم يكن لها أن تكون لولا بنو مَرينقد كان لهذا الاندماج آثار لا تُحْصى ولا تُعدّ في الأندلس والمغرب، وتم تفاعل كبير بين البلديْن والشعبيْن في مختلف المجالات، وكثُرَ التزاور والتنقل بين العدوتيْن، ووقعت هجرات متعدّدة مع تغيّر في ناموس الهجرة، إذ أن اتجاه الهجرة أصبح من الأندلس إلى المغرب بعد أن كانت الهجرة في القرون الأولى تتّجه من المغرب إلى الأندلس. ويمكن تكوين فكرة عن هذه الهجرات من تتبّع الأعداد الهائلة من العلماء الأندلسيين الذين انتقلوا إلى مراكش وفاس وغيرهما، وذلك من خلال كتب التّراجم، وظلّت وتيرة الهجرة من الأندلس إلى المغرب في تزايد إلى أن بلغت نهايتها القصوى بعد جلاء المسلمين من الفردوس المفقود» و يكمل قائلا «وقد ظهر أثر ذلك كلّه في النواحي الثقافية والاجتماعية والاقتصادية سواء في الأندلس أو في المغرب، وما زلنا في المغرب إلى يومنا هذا نلحظ مظاهر ذلك التّواصل الذي كان بين المغرب والأندلس رغم مرور قرون على نهاية الأندلس. وما تزال آثار ماديّة ومعنويّة مغربيّة في إسبانيا إلى اليوم شاهدة على الوجود المغربي الذي كان هناك… وما يزال كذلك تراث الأندلس محفوظاً ومستمراً في المغرب، تمثّله الأسَر الأندلسيّة الأصل في عددٍ من الحواضر والقرى، ونراه في العمارة والموسيقى والطبخ وغيرهما من رقائق الحضارة، وقد امتزج هذا التراث الأندلسي بالتراث المغربي فأصبحا تراثاً مركباً تركيباً مزجياً. وأما تفاعل المغرب والأندلس في مجال العلوم والآداب فحدّثْ عن البحر ولا حرج»[6].


بلدة بني الرزين شرق الأندلس في مقاطعة تيروال، إسمها منتسب إلى سلالة بني رزين المغربية الأمازيغية التي حكمت المنطقة أثناء عهد الطوائف


ما يميز المعمار المغربي هو قدرته على التطور مع مختلف السلالات التي حكمت و لازالت تحكم المغرب، و يرجع هذا التقدم في التطور هو الدراسات الهندسية الجديدة للمعمار المغربي و الذي له أثر بارز في الأندلس، المزج بين المعمار المغربي و ما وجد من معمار في الأندلس هو ما أبقى المعمار المغربي في طليعة الأنواع المختارة من أجل إستعمالها في عدد من بنايات العالم متوفقا على المعمار الأموي و اليمني و التركي، المعمار الذي يكون له جمالية غير محدودة فهو الأكثر طلبا، و حاليا لازالت إسبانيا تطلب من الحرفيين المغاربة أن يقوموا بعمليات ترميم للقصور و المساجد التي تركها المرابطون و الموحدون من أجل إطالة عمرها و إبقاء جمالها على مدى القرون التي مضت عليها.

و السؤال المطروح: لماذا لم يتطور كل من المعمار الأموي و اليمني و غيرها من العمارة التي وجدت في الأندلس، مع العلم أن هم أكثر من تأثر بالأندلس و رغم ذلك لم يظهر أي تحسن عليه وكانت هذه الفنون كلها في دائرة الأندلس و إلا كيف تطور معمارنا و بقيت فنونهم بدون تطور؟ فالأمر يوضح الكثير من النقاط المجهولة و التي يمكن للجميع ملاحظتها و أيضا الأمر ليس له علاقة بالتأثير فقط الكائنات التي لديها وعي و إدراك هي من تتأثر أما الأساليب هي التي تتطور، لو قلنا أن المعمار تأثر هذا يعني ان لديه وعي و إدراك و يفكر كالبشر و أنه تأثر حتى غير من نمطه تماما مثل من يتبعون الزوايا الصوفية في المغرب يتأثرون بها و يصبحون مريدين لها، أما المعمار فهو أسلوب حياة فهو يتطور و يتجدد.

________________________________________________________________________________

المصادر و المراجع:

[1] - اندريه بكار، المغرب والحرف التقليدية الاسلامية في العمارة، ترجمة جرجس سامي، المجلد 2 باريس 1981، ص 31 .
[2] - اسماعيل عثمان عثمان، تاريخ العمارة الاسلامية والفنون التطبيقية بالمغرب الأقصى، ج1، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، 1993 ص 246.
[3] - علي بن عبد الله ابن ابي زرع الفاسي، الانيس المطرب روض القرطاس في اخبار ملوك المغرب و تاريخ مدينه فاس، صور  للطباعة والوراقة. الرباط 1972 ص 75.
[4] - Terrasse, op,.cit . p. 104
[5] - Terrasse , L’art décoratif … op.,cit. p 113
[6] - محمد بن شريفة، “العناية بتراث الأندلس في المغرب و إسبانيا“، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، دورة “التراث الحضاري المشترك بين إسبانيا والمغرب“، غرناطة، 21-23 أبريل 1992. ص. 25-27؛ معلمة المغرب، م 3، ص. 820-821.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

2 التعليقات

التعليقات
غير معرف
11 مارس 2018 8:12 ص حذف

برافو عليك مسيرة موفقة ان شاء الله

رد
avatar
25 نوفمبر 2018 9:26 م حذف

شكرا احب المعمار المغربي

رد
avatar